الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
629
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
محبته في أمرين ، أداء فرائضه ، والتقرب إليه بالنوافل ، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا للّه ، فإذا صار محبوبا للّه أوجبت محبة اللّه له محبة أخرى منه للّه فوق المحبة الأولى ، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه ، وملك عليه روحه ، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة ، فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه ، مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى محبه كلها له ، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر به ، وإن مشى مشى به ، فهو في قلبه ونفسه ، وأنيسه وصاحبه . والباء - هنا - باء المصاحبة ، وهي مصاحبة لا نظير لها ، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها ، فالمسألة حالية « 1 » لا علمية محضة . قال : ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه ، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال : « ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذنى لأعيذنه » أي كما وافقني في مرادي بامتثال أوامرى ، والتقرب إلى بمحابى ، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ، وفيما يستعذ بي أن يناله . وقوى أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه في إماتة عبده لأنه يكره الموت ، والرب تعالى يكره ما يكره عبده ، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضى أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته ، فإنه ما أماته إلا ليحييه ، ولا أمرضه إلا ليصحه ، ولا أفقره إلا ليغنيه ، ولا منعه إلا ليعطيه ، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا ليعاد إليها على أحسن أحواله ، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه ، انتهى . وقال الخطابي : التردد في حق اللّه غير جائز ، والبداء عليه في الأمور غير سائغ ، ولكن له تأويلان : أحدهما : أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه ، أو فاقة تنزل به ، فيدعو اللّه فيشفيه منها ، ويدفع عنه مكروهها ، فيكون ذلك
--> ( 1 ) حالية : نسبة إلى حال النفس .